العمل المنزلي والرعاية المجانية يسندان الحياة اليومية في لبنان، لكنهما لا يدخلان سوق العمل ولا يضمنان دخلًا أو تقاعدًا لمن يقوم بهما. وفي غياب خدمات عامة كافية، تتحول مسؤولية الرعاية إلى كلفة تتحملها الأسر، وتتحمل النساء القسم الأكبر منها.
في كل صباح، تبدأ أعمال كثيرة قبل أن تفتح المؤسسات أبوابها. هناك من يحضّر الأطفال للمدرسة، ومن يعتني بمسنّ يحتاج إلى متابعة دائمة، ومن يرافق مريضًا إلى المستشفى، ومن يشتري حاجات المنزل ويعدّ الطعام وينظّم شؤون الأسرة. هذه ساعات عمل فعلية، تتطلب وقتًا وجهدًا ومهارات، لكنها لا تظهر في كشوف الرواتب ولا في بيانات الوظائف، ولا تجد مكانًا واضحًا في الحسابات الاقتصادية التي تقيس إنتاج البلد.
لبنان لا يفتقر إلى هذا النوع من العمل، بل يعتمد عليه بصورة واسعة. غير أن الاعتماد عليه لا يعني الاعتراف بقيمته أو توزيع أعبائه بعدالة. فالأسرة التي تتولى رعاية طفلها أو والدها المسن توفر خدمة كان يمكن أن تقدمها مؤسسة متخصصة أو مرفق عام أو عامل يتقاضى أجرًا. وحين لا تتوافر هذه الخدمات أو تصبح كلفتها أعلى من قدرة الأسرة، تنتقل المسؤولية إلى داخل المنزل، حيث تُؤدى غالبًا بلا مقابل، وبحصة أكبر من النساء.
هذه ليست مسألة اجتماعية محصورة في تقسيم الأعمال المنزلية، وإنما قضية اقتصادية تمس حجم القوى العاملة، ودخل الأسر، وإنتاجية المجتمع، ومستقبل الحماية الاجتماعية.
أرقام تكشف الغياب
قدمت إدارة الإحصاء المركزي في خريف 2026 صورة إحصائية مخصصة للعلاقة بين النساء والعمل والرعاية في لبنان، مستندة بصورة رئيسية إلى مسح القوى العاملة والأوضاع المعيشية للأسر لعامي 2018 و2019، وإلى مسح متابعة لعام 2022. وتكشف النتائج أن نحو 70 في المئة من النساء اللواتي تجاوزن الخامسة عشرة خارج القوى العاملة، فيما لا تتعدى نسبة المشاركات فيها 30 في المئة، وتنخفض نسبة العاملات فعليًا إلى نحو 25 في المئة.
الأكثر دلالة أن 32 في المئة من النساء خارج القوى العاملة اللواتي يرغبن في العمل، لكنهن لا يبحثن عنه، يعزون ذلك إلى المسؤوليات الأسرية والمنزلية، في مقابل 2 في المئة فقط من الرجال. وفي فئة النساء اللواتي لا يرغبن في العمل، قالت 65 في المئة إن المسؤوليات المنزلية هي النشاط الرئيسي الذي يصف وضعهن، مقارنة بـ7 في المئة من الرجال.
هذه الفجوة لا تثبت أن الرعاية هي السبب الوحيد لانخفاض مشاركة النساء في سوق العمل؛ فالأجور المتدنية، وارتفاع كلفة النقل، وضعف فرص التوظيف، والاعتبارات الاجتماعية، كلها عوامل حاضرة. لكنها تؤكد أن مسؤوليات المنزل ليست تفصيلًا هامشيًا في تفسير هذا الغياب، وأن سوق العمل لا يمكن فهمه من دون النظر إلى ما يحدث خارج حدوده.
وتظهر الصورة وجهًا آخر للمسألة: الرعاية ليست نشاطًا تؤديه النساء مجانًا فحسب، بل هي أيضًا قطاع عمل مأجور تتركز فيه النساء. فبحسب إدارة الإحصاء المركزي، شكّلت النساء نحو 77 في المئة من العاملين في وظائف الرعاية خلال 2018 و2019، وبلغت حصة هذه الوظائف 22 في المئة من إجمالي العمالة. وفي بيانات 2022 بقيت النساء يشكلن نحو 67 في المئة من العاملين في هذا المجال.
لكن هذه الوظائف لا توفر بالضرورة حماية مستقرة. فقد أظهرت الدراسة أن نحو 61 في المئة من النساء العاملات في وظائف الرعاية كنّ يعملن بصورة غير نظامية في الفترة المرجعية الأولى، وأن النسبة بلغت قرابة 99 في المئة بين العاملات في الخدمة المنزلية. وهكذا تتكرر الهشاشة في جانبي المعادلة: نساء يقدمن الرعاية داخل أسرهن من دون أجر أو ضمان، ونساء أخريات يقدمنها لقاء أجر، لكن كثيرات منهن خارج الحماية الاجتماعية.
كلفة مؤجلة
لا تدخل الخدمات المنزلية غير المدفوعة، في العادة، ضمن الناتج المحلي الإجمالي بالطريقة التي تدخل بها الخدمات المباعة في السوق. فإذا دفعت الأسرة أجرًا لحضانة أو لممرضة منزلية، سُجلت الخدمة ضمن النشاط الاقتصادي السوقي. أما إذا تولت الأم أو الابنة المهمة نفسها من دون أجر، فلا تظهر القيمة بالطريقة ذاتها في الحسابات القومية.
هذا لا يعني أن الناتج المحلي الإجمالي معيب لأنه لا يسعّر كل علاقة أسرية أو كل فعل رعاية. فالحسابات القومية تقيس الإنتاج وفق قواعد محددة، ولا يمكن اختزال المحبة أو المسؤولية العائلية في فاتورة مالية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القاعدة المحاسبية إلى طريقة تفكير في السياسات العامة، فيُعامل العمل غير المدفوع كأنه مورد متاح بلا حدود، لا يحتاج إلى تمويل أو تنظيم أو خدمات مساندة.
تظهر الكلفة الحقيقية في مكان آخر. امرأة تتوقف عن العمل لرعاية طفلها تخسر دخلًا حاليًا، وقد تخسر معه سنوات من الخبرة وفرص الترقية والزيادة في الأجر. وإذا امتدت الرعاية إلى أحد الوالدين المسنين أو إلى فرد مريض أو من ذوي الإعاقة، فقد يصبح الانقطاع طويلًا، ويصعب بعده العودة إلى سوق العمل بالشروط نفسها. أما الأسرة فتتحمل في الوقت ذاته نفقات إضافية، أو تتنازل عن دخل كان يمكن أن يساهم في تغطيتها.
وتتجاوز الخسارة الفرد إلى الاقتصاد. فخروج أشخاص مؤهلين من سوق العمل يقلص قاعدة الإنتاج والاشتراكات والضرائب، ويضعف قدرة المؤسسات على الاستفادة من مهاراتهم. وفي بلد يعاني أصلًا تقلص فرص العمل وهجرة الكفاءات وضعف الإيرادات العامة، يصبح استبعاد هذه الطاقات عبئًا إضافيًا لا يملك الاقتصاد ترف تحمله.
الحضانة ليست رفاهية
تكشف دراسة للبنك الدولي حول خدمات رعاية الأطفال في لبنان، صدرت في آذار 2024، جانبًا ملموسًا من هذا الاختلال. فبحسب بيانات عام 2022، لم تتجاوز مشاركة النساء اللواتي تراوح أعمارهن بين 15 و64 عامًا في القوى العاملة 22 في المئة. وقالت 60 في المئة من الأمهات اللواتي شملهن المسح إن مسؤوليات رعاية الأطفال هي السبب الرئيسي لعدم عملهن.
كما أظهرت الدراسة أن 10 في المئة فقط من مقدمي خدمات رعاية الأطفال يعملون بكامل طاقتهم الاستيعابية، وأن 5 في المئة فقط من الشركات المشمولة بالمسح توفر خدمات رعاية للأطفال لموظفيها. وتتركز الخدمات المتاحة بدرجة كبيرة في القطاع الخاص والمناطق الساحلية، فيما تشكل الكلفة عائقًا أمام أسر كثيرة، ولا سيما مع ضعف القدرة الشرائية.
هذه الأرقام لا تعني أن زيادة عدد الحضانات وحدها ستعيد النساء إلى سوق العمل. فالحضانة غير الميسورة أو التي لا تستوفي معايير الجودة لا تشكل حلًا، كما أن ساعات العمل والنقل والأجور وبيئة المؤسسات تؤثر جميعها في قرار الأسرة. لكنها تكشف أن الرعاية خدمة اقتصادية أساسية، وأن تركها لقواعد السوق وحدها يجعل الوصول إليها مرتبطًا بقدرة الأسرة على الدفع، لا بحاجتها الفعلية.
وتزداد أهمية المسألة مع اتساع الحاجة إلى رعاية المسنين والأشخاص ذوي الإعاقة والمرضى الذين يحتاجون إلى متابعة منزلية. فخدمات الرعاية طويلة الأجل لا تزال أقل حضورًا في النقاش العام من ملفات الصحة والاستشفاء والتقاعد، مع أنها تتصل بها مباشرة. وعندما تغيب الرعاية المنزلية المنظمة أو مراكز النهار أو خدمات الدعم المجتمعي، تصبح الأسرة هي المؤسسة البديلة، وغالبًا ما تكون امرأة واحدة هي من يتحمل العبء الأكبر.
ليس المطلوب تحويل كل علاقة عائلية إلى خدمة مدفوعة، ولا انتزاع الرعاية من المنزل. المطلوب أن يكون لدى الأسرة خيار حقيقي: أن تختار تقديم الرعاية من دون أن تُدفع إلى الفقر أو الانقطاع المهني، وأن تتمكن من الاستعانة بخدمات مناسبة عندما تحتاج إلى ذلك.
تقاعد بلا رصيد
تأخذ المشكلة بعدًا أكثر خطورة عندما تصل المرأة التي أمضت سنوات طويلة في رعاية أفراد أسرتها إلى سن الشيخوخة. فالعمل غير المدفوع لا يولّد اشتراكات تقاعدية باسم من يؤديه، ولا يمنح صاحبه تلقائيًا دخلًا دوريًا عند التوقف عن العمل. وقد تجد امرأة لم تدخل سوق العمل، أو خرجت منه لسنوات، نفسها معتمدة ماليًا على أبنائها أو أقاربها، رغم أنها أدت طوال حياتها وظيفة أساسية داخل الأسرة.
أقر لبنان القانون رقم 319 في كانون الأول 2023، الذي أسس نظامًا جديدًا للتقاعد والحماية الاجتماعية للعاملين في القطاع الخاص. لكن الإصلاح، على أهميته، لا يحل تلقائيًا مشكلة الأشخاص الذين لا يعملون بأجر ولا يسددون اشتراكات. كما أن منظمة العمل الدولية كانت لا تزال تناقش مع وزارة العمل والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في كانون الثاني 2026 خطوات تنفيذ النظام الجديد، بعد أن أشارت في تشرين الأول 2025 إلى أن استكمال المراسيم والدراسات الاكتوارية اللازمة كان يستهدف إطلاقه بحلول نهاية 2026.
وهذا يضع سؤالًا يتجاوز تفاصيل القانون: كيف يمكن بناء حماية اجتماعية لا تترك من أمضوا سنوات في رعاية أسرهم خارج أي ضمان للشيخوخة؟ لا يعني ذلك أن يحصل كل فرد يؤدي عملًا منزليًا على معاش تقاعدي مماثل لمن أمضى عقودًا في وظيفة مأجورة، فمثل هذا الاقتراح يحتاج إلى تحديد شروط الاستحقاق ومصادر التمويل والقدرة المالية للصندوق. لكنه يفرض البحث في صيغ تعترف بفترات الرعاية، وتتيح اشتراكات اختيارية مدعومة أو آليات ائتمانية لفترات رعاية الأطفال أو الأشخاص المعالين، ضمن نظام قابل للاستدامة ولا يحمّل العاملين وحدهم كلفة إصلاح اختلال لم يصنعوه.
الاستثمار في الرعاية
تحتاج معالجة هذا الملف إلى سياسة اقتصادية واجتماعية متكاملة، لا إلى حملة توعية تطلب من الرجال مساعدة النساء في المنزل، ولا إلى مبادرات متفرقة لإنشاء حضانات. البداية تكون بإنتاج بيانات وطنية منتظمة عن استخدام الوقت، تقيس ساعات العمل المنزلي والرعاية غير المدفوعة بحسب الجنس والعمر والمنطقة والوضع الاقتصادي. فالمسح المتخصص هو الوسيلة التي تسمح بتقدير حجم العمل وتوزيعه، وتوفر قاعدة لتصميم السياسات وتقييم نتائجها.
بعد ذلك، يصبح توسيع خدمات الحضانات الميسورة والجيدة، وتنظيم الرعاية المنزلية، ودعم مراكز رعاية المسنين والأشخاص ذوي الإعاقة، جزءًا من الاستثمار في البنية التحتية الاجتماعية. ويمكن للدولة أن تجمع بين التمويل العام والشراكة مع البلديات والمؤسسات الخاصة والجمعيات، مع وضع معايير واضحة للجودة والسلامة والرقابة، وتوجيه الدعم إلى الأسر الأكثر حاجة بدل تقديم إعانات غير محددة الأهداف.
ويفترض أن تترافق هذه الخطوات مع إجازات أبوية أكثر توازنًا، وترتيبات عمل مرنة لا تعاقب الموظف الذي يتحمل مسؤوليات الرعاية، وتوسيع الحماية الاجتماعية للعاملين في هذا القطاع. فإعادة توزيع المسؤولية لا تعني نقلها من النساء إلى الدولة فحسب، بل تشمل أيضًا الأسرة وأصحاب العمل والمجتمع، بحيث لا تبقى الرعاية مهمة نسائية مفترضة بحكم العادة.
قد تبدو هذه السياسات مكلفة في بلد يواجه عجزًا ماليًا وتحديات في تمويل الخدمات الأساسية. لكن الحساب الاقتصادي لا ينبغي أن يقتصر على كلفة إنشاء الحضانة أو مركز الرعاية؛ بل عليه أن يحتسب أيضًا ما يمكن أن ينتج من عودة الأمهات إلى العمل، وزيادة دخل الأسر، وارتفاع الاشتراكات والإيرادات، وتخفيف الضغط على الخدمات الصحية والاجتماعية لاحقًا. الاستثمار في الرعاية ليس إنفاقًا اجتماعيًا منفصلًا عن النمو، بل أحد الشروط التي تتيح لعدد أكبر من الناس المشاركة في صنعه.
لبنان لا يستطيع أن يواصل قياس اقتصاده بما يُباع ويُشترى فقط، فيما يعتمد استمرار الحياة اليومية على ملايين الساعات التي لا يتقاضى أصحابها أجرًا ولا يحصلون مقابلها على حماية. وما لا يظهر في دفاتر الدولة لا يعني أنه بلا قيمة؛ قد يكون، في كثير من الأحيان، ما يمنع المجتمع من التوقف عن العمل.



















































